فصل: تفسير الآية رقم (43)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 86‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله، عز وجل، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا وتحقيرًا فقال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا‏}‏ أي‏:‏ من كل قوم وقرن فوجًا، أي‏:‏ جماعة، ‏{‏مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 22‏]‏، وقال تعالى ‏{‏وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ قال ابن عباس، رضي الله عنهما‏:‏ يدفعون‏.‏ وقال قتادة‏:‏ وَزَعَةٌ ترد أولهم على آخرهم‏.‏ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ يساقون‏.‏

‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءُوا‏}‏ أي‏:‏ أوقفوا بين يدي الله عز وجل، في مقام المساءلة، ‏{‏قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى‏.‏ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 31، 32‏]‏، فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏.‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 35، 37‏]‏، وهكذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ بهتوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية‏.‏

ثم قال تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا مَحيد عنه، فقال ‏{‏أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ فيه ظلام تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَب التعب في نهارهم‏.‏ ‏{‏وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا‏}‏ أي‏:‏ منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 90‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفَزَع في الصُّور، وهو كما جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏قرن ينفخ فيه‏"‏‏.‏ وفي حديث‏(‏الصُّور‏)‏‏}‏ أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ‏{‏إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏، وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون‏.‏

قال الإمام مسلم بن الحجاج‏:‏ حدثنا عُبَيد الله بن مُعاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم‏:‏ سمعت يعقوب بن عاصم بن عُرْوَة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، وجاءه رجل فقال‏:‏ ما هذا الحديث الذي تَحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا‏؟‏ فقال‏:‏ سبحان الله- أو‏:‏ لا إله إلا الله- أو كلمة نحوهما- لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت‏:‏ إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت، ويكون ويكون‏.‏ ثم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين- ‏[‏لا أدري أربعين‏]‏ يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا- فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه‏.‏ ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخَلَتْه عليه حتى تقبضه‏"‏‏.‏ قال‏:‏ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول‏:‏ ألا تستجيبون‏؟‏ فيقولون‏:‏ فما تأمرنا‏؟‏ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسنٌ عيشهم‏.‏ ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ‏[‏ورفع ليتا‏]‏ ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏وأول مَنْ يسمعه رجل يَلُوط حوض إبله‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فَيَصْعَقُ ويَصعقُ الناس، ثم يرسل الله- أو قال‏:‏ ينزل الله مطرًا كأنه الطَّل- أو قال‏:‏ الظل- نعمان الشاك- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفَخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون‏.‏ ثم يقال‏:‏ يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون‏.‏ ثم يقال‏:‏ أخرجوا بعث النار‏.‏ فيقال‏:‏ من كم‏؟‏ فيقال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق‏"‏‏.‏

وقوله ‏:‏ ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا‏"‏ الليت‏:‏ هو صفحة العنق، أي‏:‏ أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا‏.‏

فهذه نفخة الفزع‏.‏ ثم بعد ذلك نفخة الصعق، وهو الموت‏.‏ ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ‏}‏- قُرئ بالمد، وبغيره على الفعل، وكلٌ بمعنى واحد- و ‏{‏دَاخِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 52‏]‏، وقال ‏{‏ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وفي حديث الصور‏:‏ أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح، فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح الكافرين ظُلمة، فيقول الله، عز وجل‏:‏ وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها‏.‏ فتجيء الأرواح إلى أجسادها، فتدب فيها كما يَدب السم في اللديغ، ثم يقومون فينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 43‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ‏}‏ أي‏:‏ تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي‏:‏ تزول عن أماكنها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 9، 10‏]‏، وقال ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 105، 107‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 47‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ‏{‏إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه‏.‏

ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا‏}‏- قال قتادة‏:‏ بالإخلاص‏.‏ وقال زين العابدين‏:‏ هي لا إله إلا الله- وقد بيَّن في المكان الآخر أن له عَشْر أمثالها ‏{‏وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏}‏، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 103‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 40‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 37‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ مَنْ لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو‏:‏ قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

وقال ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس، رضي الله عنهم، وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النَّخَعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسُّدِّي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ‏}‏ يعني‏:‏ بالشرك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 93‏]‏

‏{‏إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرًا رسوله وآمرًا له أن يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ‏}‏، كَمَا قَالَ‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 104‏]‏‏.‏

وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال‏:‏ ‏{‏فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ‏.‏ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏}‏ ‏[‏قريش‏:‏ 3، 4‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي حَرَّمَهَا‏}‏ أي‏:‏ الذي إنما صارت حرامًا قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة‏:‏ ‏"‏إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لُقَطَتُه إلا لِمَنْ عرفها، ولا يختلى خلاها‏"‏ الحديث بتمامه‏.‏ وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع ، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام، ولله الحمد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ‏}‏‏:‏ من باب عطف العام على الخاص، أي‏:‏ هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه، ‏{‏وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ‏}‏ أي‏:‏ على الناس أبلغهم إياه، كقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 58‏]‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 3‏]‏ أي‏:‏ أنا مبلغ ومنذر، ‏{‏فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ لي سوية الرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخَلَصُوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 40‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 12‏]‏‏.‏

‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا‏}‏، أي‏:‏ لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإعذار إليه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 53‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ بل هو شهيد على كل شيء‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر‏:‏ حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا أيها الناس، لا يَغْترَّنَّ أحدكم بالله؛ فإن الله لو كان غافلا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة‏"‏‏.‏

‏[‏قال أيضا‏]‏‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي‏:‏ أخبرني خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال‏:‏ فلو كان الله مغفلا شيئًا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم‏.‏

وقد ذكر عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له أو لغيره‏:‏

إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل *** خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب

وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً *** وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب

تفسير سورة القصص

‏[‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ رب يسر بفضلك‏]‏

‏[‏وهي مكية‏]‏

قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله‏:‏ حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وَكِيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال‏:‏ أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا ‏{‏طسم‏}‏ المائتين، فقال‏:‏ ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ خَبَّاب بن الأرَت‏.‏ قال‏:‏ فأتينا خَبَّاب بن الأرت، فقرأها علينا، رضي الله عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏طسم تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏‏.‏

قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تلك‏}‏ أي‏:‏ هذه ‏{‏آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ‏}‏ أي‏:‏ الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 3‏]‏ أي‏:‏ نذكر لك الأمر على ما كان عليه، كأنك تشاهد وكأنك حاضر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ تكبر وتجبر وطغى‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا‏}‏ أي‏:‏ أصنافا، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بني إسرائيل‏.‏ وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم‏.‏ هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكُدُّهُم ليلا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه‏.‏ وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته وسلطانه‏.‏ فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته مَن يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تتحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ‏.‏ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏‏.‏ وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 137‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 59‏]‏، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قَدَر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏‏.‏

ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفْني بني إسرائيل فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة‏.‏ فقالوا لفرعون‏:‏ إنه يوشك- إن استمر هذا الحال- أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يَقُمْن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك‏.‏ فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون، عليه السلام، في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى، عليه السلام، في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يَقْبَلُها إلا نساء القبط، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا قَبَّحَهُم الله‏.‏ فلما حملت أم موسى به، عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى، عليه السلام، لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعًا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 39‏]‏‏.‏ فلما ضاقت ذرعًا به ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏‏.‏ وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدَت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد مِمَّنْ تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل عندها‏.‏ فلما كان ذات يوم دخل عليها مَنْ تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها‏.‏ فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال ‏{‏فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ‏[‏وَحَزَنًا‏]‏‏}‏‏.‏

قال محمد بن إسحاق وغيره‏:‏ ‏"‏اللام‏"‏ هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك‏.‏ ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله تعالى، قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًا وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ‏}‏‏.‏

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابًا إلى قوم من القدرية، في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق‏:‏ وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏، وقلتم أنتم‏:‏ لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًا ونصيرًا، والله يقول‏:‏ ‏{‏لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أن فرعون لما رآه همَّ بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجُّ عنه وتَذب دونه، وتحببه إلى فرعون، فقالت‏:‏ ‏{‏قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ‏}‏ فقال‏:‏ أما لك فَنَعَم، وأما لي فلا‏.‏ فكان كذلك، وهداها الله به، وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة ‏"‏طه‏"‏ هذه القصة بطولها، من رواية ابن عباس مرفوعًا عن النسائي وغيره‏.‏

وقوله‏"‏‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا‏}‏، وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه‏.‏ وقولها‏:‏ ‏{‏أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا‏}‏ أي‏:‏ أرادت أن تتخذه ولدًا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه، من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 13‏]‏

‏{‏وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم موسى، حين ذهب ولدها في البحر، إنه أصبح فارغًا، أي‏:‏ من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى‏.‏ قاله ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو عبيدة، والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم‏.‏

‏{‏إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏}‏ أي‏:‏ إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لَتُظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها وصبَّرها، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.‏ وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ‏}‏ أي‏:‏ أمرت ابنتها- وكانت كبيرة تعي ما يقال لها- فقالت لها‏:‏ ‏{‏قُصِّيهِ‏}‏ أي‏:‏ اتبعي أثره، وخذي خبره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد‏.‏ فخرجت لذلك، ‏{‏فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ عن جانب‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏}‏‏:‏ عن بعيد‏.‏

وقال قتادة‏:‏ جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده‏.‏

وذلك أنه لما استقر موسى، عليه السلام، بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك‏.‏ فخرجوا به إلى سوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ تحريمًا قَدَريا، وذلك لكرامة الله له صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه؛ ولأن الله- سبحانه- جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة، بعدما كانت خائفة‏.‏ فلما رأتهم ‏[‏أخته‏]‏ حائرين فيمن يرضعه قالت‏:‏ ‏{‏هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لما قالت ذلك أخذوها، وشكوا في أمرها، وقالوا لها‏:‏ وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه‏؟‏ فقالت‏:‏ نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُؤُورة الملك ورجاء منفعته‏.‏ فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخَلَصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا‏.‏ وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها‏.‏ ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت‏:‏ إن لي بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك‏.‏ ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت‏.‏ فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل‏.‏ فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنا، في عز وجاه ورزق دَارٍّ‏.‏ ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها‏"‏ ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل‏:‏ يوم وليلة، أو نحوه، والله ‏[‏سبحانه‏]‏ أعلم، فسبحان من بيديه الأمر‏!‏ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق مخرجًا‏.‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا‏}‏ أي‏:‏ به، ‏{‏وَلا تَحْزَنْ‏}‏ أي‏:‏ عليه‏:‏ ‏{‏وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ‏}‏ أي‏:‏ فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين‏.‏ فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ حُكْمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 19‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 17‏]‏

‏{‏وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ‏}‏‏.‏

لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى، عليه السلام، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكما وعلما- قال مجاهد‏:‏ يعني النبوة ‏{‏وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏.‏

ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدَّر له من النبوة والتكليم‏:‏ قضية قتله ذلك القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا‏}‏ قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس‏:‏ وذلك بين المغرب والعشاء‏.‏

وقال ابن المنْكَدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس‏:‏ كان ذلك نصف النهار‏.‏ وكذلك قال سعيد بن جبير، وعِكْرمة، والسُّدِّي، وقتادة‏.‏

‏{‏فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ‏}‏ أي‏:‏ يتضاربان ويتنازعان، ‏{‏هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ من بني إسرائيل، ‏{‏وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ‏}‏ أي‏:‏ قبطي، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق‏.‏ فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي ‏{‏فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ‏}‏‏.‏

قال مجاهد‏:‏ وكزه، أي‏:‏ طعنه بجُمْع كفه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ وكزه بعصا كانت معه‏.‏

‏{‏فَقَضَى عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ كان فيها حتفه فمات، قال موسى‏:‏ ‏{‏هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏.‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏.‏ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ‏}‏ أي‏:‏ بما جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة ‏{‏فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا‏}‏ أي‏:‏ معينا ‏{‏لِلْمُجْرِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الكافرين بك، المخالفين لأمرك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 19‏]‏

‏{‏فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏}‏‏.‏

يقول تعالى مخبرًا عن موسى، عليه السلام ، لما قتل ذلك القبطي‏:‏ إنه أصبح ‏{‏فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا‏}‏ أي‏:‏ من مَعَرّة ما فعل، ‏{‏يَتَرَقَّبُ‏}‏ أي‏:‏ يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذاك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى، استصرخه على الآخر، فقال له موسى‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ ظاهر الغواية كثير الشر‏.‏ ثم عزم على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوَرِه وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه‏:‏ ‏{‏يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ‏}‏ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى، عليه السلام، فلما سمعها ذلك القبطي لقَفَها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون فألقاها عنده، فعلم بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 21‏]‏

‏{‏وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ رَجُلٌ‏}‏ وصفه بالرّجُولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له‏:‏ يا موسى ‏{‏إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ‏}‏ أي‏:‏ يتشاورون فيك ‏{‏لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ‏}‏ أي‏:‏ من البلد ‏{‏إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 24‏]‏

‏{‏وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ‏}‏‏.‏

لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قلبه، بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة، ‏{‏فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ‏}‏ أي‏:‏ يتلفَّت ‏{‏قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ من فرعون وملئه‏.‏ فذكروا أن الله، سبحانه وتعالى، بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم‏.‏

‏{‏وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ‏}‏ أي‏:‏ أخذ طريقًا سالكًا مَهْيَعا فرح بذلك، ‏{‏قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏ أي‏:‏ إلى الطريق الأقوم‏.‏ ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعل هاديًا مهديًّا‏.‏

‏{‏وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ‏}‏ أي‏:‏ ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر تَرده رعاء الشاء ‏{‏وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ جماعة ‏{‏يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ‏}‏ أي‏:‏ تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا‏.‏ فلما رآهما موسى، عليه السلام، رق لهما ورحمهما، ‏{‏قَالَ مَا خَطْبُكُمَا‏}‏ أي‏:‏ ما خبركما لا تردان مع هؤلاء‏؟‏ ‏{‏قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ‏}‏ أي‏:‏ لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، ‏{‏وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَقَى لَهُمَا‏}‏ قال أبو بكر بن أبي شيبة‏:‏ حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن موسى، عليه السلام، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال‏:‏ فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال‏:‏ ما خطبكما‏؟‏ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم‏.‏ إسناد صحيح‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ سار موسى من مصر إلى مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل مَدْيَن حتى سقطت نعل قدمه‏.‏ وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَى الظِّلِّ‏}‏ قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي‏:‏ جلس تحت شجرة‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيّ ، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله- هو ابن مسعود- قال‏:‏ حَثثتُ على جمل ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي- وكان جائعا- فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى، عليه السلام، ثم انصرفت‏.‏

وفي رواية عن ابن مسعود‏:‏ أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى، كما سيأتي والله أعلم‏.‏

وقال السدي‏:‏ كانت من شجر السَّمُر‏.‏

وقال عطاء بن السائب‏:‏ لما قال موسى ‏{‏رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ‏}‏، أسمعَ المرأة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 28‏]‏

‏{‏فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ‏}‏‏.‏

لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى، عليه السلام‏.‏ فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ‏}‏ أي‏:‏ مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، أنه قال‏:‏ كانت مستتَرة بكم درْعها‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا ‏[‏أبي، حدثنا‏]‏ أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون قال‏:‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة ولاجة‏.‏ هذا إسناد صحيح‏.‏

قال الجوهري‏:‏ السلفع من الرجال‏:‏ الجسور، ومن النساء‏:‏ الجريئة السليطة، ومن النوق‏:‏ الشديدة‏.‏

‏{‏قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا‏}‏، وهذا تأدب في العبارة، لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة، بل قالت‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا‏}‏ يعني‏:‏ ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا، ‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ‏}‏ أي‏:‏ ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، ‏{‏قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ طب نفسا وَقرّ عينا، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏

وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل‏:‏ مَنْ هو‏؟‏ على أقوال‏:‏ أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين‏.‏ وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد‏.‏ ورواه ابن أبي حاتم‏.‏

حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس؛ أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص قال‏:‏ ‏{‏لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏‏.‏

وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ ‏"‏مرحبا بقوم شعيب وأَخْتان موسى، هُديت‏"‏‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل كان ابن أخي شعيب‏.‏ وقيل‏:‏ رجل مؤمن من قوم شعيب‏.‏ وقال آخرون‏:‏ كان شعيب قبل زمان موسى، عليه السلام، بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه‏:‏ ‏{‏وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 95‏]‏‏.‏ وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل، عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل، عليهما السلام، مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد‏.‏ وما قيل‏:‏ إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو- والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا‏.‏ وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله‏.‏ ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه‏:‏ ‏"‏ثبرون‏"‏، والله أعلم‏.‏

وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود‏:‏ وأثرون وهو ابن أخي شعيب عليه السلام‏.‏

وعن أبي حمزة عن ابن عباس‏:‏ الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين‏.‏ رواه ابن جرير، ثم قال‏:‏ الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ‏}‏ أي‏:‏ قالت إحدى ابنتي هذا الرجل‏.‏ قيل‏:‏ هي التي ذهبت وراء موسى، عليه السلام، قالت لأبيها‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ‏}‏ أي‏:‏ لرعْية هذه الغنم‏.‏

قال عمر، وابن عباس، وشُريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد‏:‏ لما قالت‏:‏ ‏{‏إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ‏}‏ قال لها أبوها‏:‏ وما علمك بذلك‏؟‏ قالت‏:‏ إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامهُ، فقال لي‏:‏ كوني من ورائي، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفي ‏[‏لي ‏]‏ بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأتهدّى إليه‏.‏

قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله- هو ابن مسعود- قال‏:‏ أفرس الناس ثلاثة‏:‏ أبو بكر حين تفرس في عُمَر، وصاحب يوسف حين قال‏:‏ ‏{‏أَكْرِمِي مَثْوَاهُ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 21‏]‏، وصاحبة موسى حين قالت‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ‏}‏‏.‏

قاال‏:‏ ‏{‏إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين‏.‏

قال شعيب الجبائي‏:‏ وهما صفورا، وليّا‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ صفورا وشرقا، ويقال‏:‏ ليا‏.‏ وقد استدل أصحاب أبي حنيفة ‏[‏رحمه الله تعالى‏]‏ بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال‏:‏ ‏"‏بعتك أحد هذين العبدين بمائة‏.‏ فقال‏:‏ اشتريت‏"‏ أنه يصح، والله أعلم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ‏}‏ أي‏:‏ على أن ترعى عليّ ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي ثمان كفاية، ‏{‏وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا أشاقك، ولا أؤاذيك، ولا أماريك‏.‏

وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي، فيما إذا قال‏:‏ ‏"‏بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة‏"‏ أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح‏.‏ وحُمل الحديث المروي في سنن أبي داود‏:‏ ‏"‏من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا ‏"‏ على هذا المذهب‏.‏ وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر، ليس هذا موضع بسطه لطوله‏.‏ والله أعلم‏.‏

ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومَنْ تبعهم، في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن، حيث قال‏:‏ ‏"‏باب استئجار الأجير على طعام بطنه‏"‏‏:‏ حدثنا محمد بن المصفّى الحِمْصي، حدثنا بَقيَّة بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رَبَاح قال‏:‏ سمعت عُتبةَ بن النُّدَّر يقول‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ‏{‏طسم‏}‏ ، حتى إذا بلغ قصة موسى قال‏:‏ ‏"‏إن موسى أجَّرَ نفسه ثماني سنين أو‏:‏ عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه‏.‏

وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف ، لأن مسلمة بن علي وهو الخُشَني الدمشقي البلاطيّ ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد رُوي من وجه آخر، وفيه نظر أيضا‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رَبَاح اللخمي قال‏:‏ سمعت عتبة بن النّدر السلمي- صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه‏"‏ ‏.‏‏.‏ وقوله تعالى إخبارا عن موسى، عليه السلام‏:‏ ‏{‏قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ‏}‏، يقول‏:‏ إن موسى قال لصهره‏:‏ الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرًا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما ‏[‏فقد‏]‏ برئت من العهد، وخرجت من الشرط؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ‏}‏ أي‏:‏ فلاحرج علي مع أن الكامل- وإن كان مباحًا لكنه فاضل من جهة أخرى، بدليل من خارج‏.‏ كما قال ‏[‏الله‏]‏ تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 203‏]‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي، رضي الله عنه، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر- فقال‏:‏ ‏"‏إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر‏"‏ مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر‏.‏

هذا وقد دل الدليل على أن موسى عليه السلام، إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما؛ قال البخاري‏:‏

حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مَرْوان بن شُجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سألني يهودي من أهل الحيرة‏:‏ أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فقلت‏:‏ لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأَلَه‏.‏ فقدمت فسألت ابن عباس، رضي الله عنه، فقال‏:‏ قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل‏.‏ هكذا رواه البخاري وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره، عن سعيد بن جبير‏.‏ ووقع في ‏"‏حديث الفُتُون‏"‏، من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير؛ أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية‏.‏ والأول أشبه، والله أعلم، وقد رُوي من حديث ابن عباس مرفوعا، قال ابن جرير‏:‏

حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏سألت جبريل‏:‏ أيّ الأجلين قضى موسى قال‏:‏ أكملهما وأتمهما‏"‏‏.‏

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان- وهو ابن عيينة- حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب- وكان من أسناني أو أصغر مني- فذكره‏.‏

قلت‏:‏ وإبراهيم هذا ليس بمعروف‏.‏

ورواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره‏.‏ ثم قال‏:‏ لا نعرفه مرفوعا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن تيرح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل‏:‏ أيّ الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا علم لي‏"‏‏.‏ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال جبريل‏:‏ لا علم لي، فسأل جبريل ملكا فوقه فقال‏:‏ لا علم لي‏.‏ فسأل ذلك المَلَك ربه- عز وجل- عما سأله عنه جبريل عما سأله عنه محمد صلى الله عليه وسلم فقال الرب سبحانه وتعالى‏:‏ ‏"‏قضى أبرهما وأبقاهما- أو قال‏:‏ أزكاهما‏"‏‏.‏

وهذا مرسل، وقد جاء مرسلا من وجه آخر، وقال سُنَيد‏:‏ حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج قال‏:‏ قال مجاهد‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل‏:‏ ‏"‏أيّ الأجلين قضى موسى‏؟‏‏"‏ فقال‏:‏ سوف أسأل إسرافيل‏.‏ فسأله فقال‏:‏ سوف أسأل الرب عز وجل‏.‏ فسأله فقال‏:‏ ‏"‏أبرهما وأوفاهما‏"‏‏.‏

طريق أخرى مرسلة أيضا‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن كعب القُرظي قال‏:‏ سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أوفاهما وأتمهما‏"‏‏.‏

فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي ‏[‏هذا‏]‏ مرفوعا من رواية أبي ذر، رضي الله عنه، قال الحافظ أبو بكر البزار، حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عَوْبَد بن أبي عمران الجَوْني، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل‏:‏ أيّ الأجلين قَضَى موسى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أوفاهما وأبرهما‏"‏، قال‏:‏ ‏"‏وإن سئلتَ أي المرأتين تزوج‏؟‏ فقل الصغرى منهما‏"‏‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد‏.‏

وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عَوبَد بن أبي عمران- وهو ضعيف- ثم قد روي أيضا نحوه من حديث عتبة بن الندر بزيادة غريبة جدا، فقال أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح اللخمي قال‏:‏ سمعت عتبة بن النّدر يقول‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل‏:‏ أيّ الأجلين قَضَى موسى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أبرهما وأوفاهما‏"‏‏.‏ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن موسى، عليه السلام، لما أراد فراق شعيب عليه السلام، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به‏.‏ فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالِب لَون‏.‏ قال‏:‏ فما مرت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قَوَالب ألوان كلها، وولدت ثنتين وثلاثًا كل شاة ليس فيها فَشُوش ولا ضبُوب، ولا كَمِيشة تُفَوّت الكف، ولا ثَعُول‏"‏‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا افتتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها، وهي السامرية‏"‏‏.‏ هكذا أورده البزار‏.‏ وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال‏:‏

ح- حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير، حدثني عبد الله بن لهيعة‏(‏ح‏)‏ وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال‏:‏ سمعت عتبة بن النُّدّر السلمي- صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن موسى، عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه وطُعمة بطنه‏.‏ فلما وفى الأجل- قيل‏:‏ يا رسول الله، أي الأجلين‏؟‏ قال- أبرهما وأوفاهما‏.‏ فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى، عليه السلام إلى عصاه فَسَمَّاها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال‏:‏ ‏"‏فأتأمت وأثلثت، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش‏.‏ قال يحيى‏:‏ ولا ضبون‏.‏ وقال صفوان‏:‏ ولا ضبُوب‏.‏ قال أبو زرعة‏:‏ الصواب ضَبُوب- ولا عَزُوز ولا ثَعُول، ولا كميشة تُفَوّت الكف‏"‏، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية‏"‏‏.‏

وحدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان قال‏:‏ سمعت الوليد قال‏:‏ فسألت ابن لَهِيعة‏:‏ ما الفشوش‏؟‏ قال‏:‏ التي تَفُشّ بلبنها واسعة الشَّخب‏.‏ قلت‏:‏ فما الضبوب‏؟‏ قال‏:‏ الطويلة الضرع تجره‏.‏ قلت‏:‏ فما العَزُوز‏؟‏ قال‏:‏ ضيقة الشَّخب‏.‏ قال فما الثَعُول‏؟‏ قال‏:‏ التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين‏.‏ قلت‏:‏ فما الكميشة‏؟‏ قال‏:‏ التي تُفَوّت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف‏.‏

مدار هذا الحديث على عبد الله بن لَهِيعة المصري- وفي حفظه سوء- وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم‏.‏ وينبغي أن يُرْوَى ليس فيها فشوش ولا عزوز، ولا ضبوب ولا ثَعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة‏.‏ وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك- موقوفا عليه- ما يقارب بعضه بإسناد جيد ، فقال‏:‏ حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال‏:‏ لما دعا نبي الله موسى، عليه السلام، صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه‏:‏ كل شاة ولدت على غير لونها فذلك ولدها لك‏.‏ فعمد فرفع حبالا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 32‏]‏

‏{‏فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏‏.‏

قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام، قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة من قوله ‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ‏}‏ أي‏:‏ الأكمل منهما، والله أعلم‏.‏

قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد‏:‏ قضى عشر سنين، وبعدها عشرا أخر‏.‏ وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَارَ بِأَهْلِهِ‏}‏ قالوا‏:‏ كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يُضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك ‏[‏إذ‏]‏ ‏{‏آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا‏}‏ أي‏:‏ رأى نارا تضيء له على بعد، ‏{‏قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا‏}‏ أي‏:‏ حتى أذهب إليها، ‏{‏لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ‏}‏‏.‏ وذلك لأنه قد أضل الطريق، ‏{‏أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ قطعة منها، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ تَتَدفؤون بها من البرد‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ‏}‏ أي‏:‏ من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ‏}‏، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحْف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه‏:‏ ‏{‏مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ‏}‏‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال‏:‏ رأيت الشجرة التي نودي منها موسى، عليه السلام، سمرة خضراء ترف‏.‏ إسناده مقارب‏.‏

وقال محمد بن إسحاق، عن بعض مَنْ لا يتهم، عن وهب بن منبه قال‏:‏ شجرة من العُلَّيق، وبعض أهل الكتاب يقول‏:‏ من العوسج‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هي من العوسج، وعصاه من العوسج‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره، ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات فيذاته وصفاته، وأقواله وأفعاله سبحانه‏!‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ‏}‏ أي‏:‏ التي في يدك‏.‏ كما قرره على ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 17، 18‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها ‏{‏فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى‏}‏ فعرف وتحقق أن الذي يخاطبه ويكلمه هو الذي يقول للشيء‏:‏ كن، فيكون‏.‏ كما تقدم بيان ذلك في سورة ‏"‏طه‏"‏‏.‏

وقال هاهنا‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ‏}‏ أي‏:‏ تضطرب ‏{‏كَأَنَّهَا جَانٌّ‏}‏ أي‏:‏ في حركتها السريعة مع عظم خَلْق قوائمها واتساع فمها، واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتنحدر في فيها تتقعقع، كأنها حادرة في واد‏.‏ فعند ذلك ‏{‏وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ‏}‏ أي‏:‏ ولم يكن يلتفت؛ لأن طبع البشرية ينفر من ذلك‏.‏ فلما قال الله له‏:‏ ‏{‏يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ‏}‏، رجع فوقف في مقامه الأول‏.‏

ثم قال الله له‏:‏ ‏{‏اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ‏}‏ أي‏:‏ إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مِنْ غَيْرِ سُوءٍ‏}‏ أي‏:‏ من غير برص‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ‏}‏‏:‏ قال مجاهد‏:‏ من الفزع‏.‏ وقال قتادة‏:‏ من الرعب‏.‏ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير‏:‏ مما حصل لك من خوفك من الحية‏.‏

والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف‏.‏ وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف، إن شاء الله، وبه الثقة‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، قال ‏:‏ كان موسى عليه السلام، قد مُلئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال‏:‏ اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، ففرّغ الله ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ‏}‏ يعني‏:‏ إلقاءه العصا وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء- دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة مَنْ جرى هذا الخارق على يديه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ‏}‏ أي‏:‏ وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله، ‏[‏والله أعلم‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ‏}‏‏.‏

لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، ‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا‏}‏ يعني‏:‏ ذلك القبطي، ‏{‏فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏}‏ أي‏:‏ إذا رأوني‏.‏

‏{‏وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا‏}‏، وذلك أن موسى، عليه السلام، كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي‏.‏ يَفْقَهُوا قَوْلِي‏.‏ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي‏.‏ هَارُونَ أَخِي‏.‏ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي‏.‏ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 27- 32‏]‏ أي‏:‏ يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ‏[‏يُصَدِّقُنِي‏]‏‏}‏، أي‏:‏ وزيرًا ومعينًا ومقويًّا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏}‏‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ ‏{‏رِدْءًا يُصَدِّقُنِي‏}‏ أي‏:‏ يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم ‏[‏عني‏]‏‏.‏

فلما سأل ذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ‏}‏ أي‏:‏ سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك‏.‏ كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 53‏]‏‏.‏ ولهذا قال بعض السلف‏:‏ ليس أحد أعظم مِنَّةً على أخيه، من موسى على هارون، عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال ‏[‏الله تعالى‏]‏ في حق موسى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 69‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا‏}‏ أي‏:‏ حجة قاهرة، ‏{‏فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا‏}‏ أي‏:‏ لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى ‏[‏لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم‏]‏ ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ‏[‏وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ‏]‏ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 39‏]‏، أي‏:‏ وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا‏.‏ ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولِمَنْ اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال‏:‏ ‏{‏أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ‏.‏ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51، 52‏]‏‏.‏

ووجه ابن جرير على أن المعنى‏:‏ ‏{‏وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا‏}‏، ثم يبتدئ فيقول‏:‏ ‏{‏بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ‏}‏، تقديره‏:‏ أنتما ومَنْ اتبعكما الغالبون بآياتنا‏.‏

ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 42‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏}‏‏.‏

يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، على صدقهما فيما أخبر عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره‏.‏ فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا‏:‏ ‏{‏مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى‏}‏ أي‏:‏ مفتعل مصنوع‏.‏ وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، فما صعد معهم ذلك‏.‏

وقوله ‏:‏ ‏{‏وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ‏}‏ يعنون‏:‏ عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون‏:‏ ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى‏.‏ فقال موسى، عليه السلام، مجيبا لهم‏:‏ ‏{‏رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ‏}‏ يعني‏:‏ مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ‏}‏ أي‏:‏ النصرة والظفر والتأييد، ‏{‏إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ المشركون بالله‏.‏

‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏}‏‏.‏يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة- لعنه الله- كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 54‏]‏، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏، ‏[‏و‏]‏ قال تعالى إخبارا عنه‏:‏ ‏{‏فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 23- 26‏]‏ يعني‏:‏ أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين‏.‏ ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك فقال‏:‏ ‏{‏لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 29‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى‏}‏ أي‏:‏ أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، ليتخذ له آجُرّا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع- كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ‏.‏ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 36، 37‏]‏، وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ أي‏:‏ في قوله إن ثَمّ ربًّا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 23‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 29‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ وهذا قول ابن جرير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة، ‏{‏فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ‏.‏إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 13، 14‏]‏، ولهذا قال ها هنا‏:‏ ‏{‏فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ‏}‏ أي‏:‏ أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد ‏{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏.‏ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 13‏]‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً‏}‏ أي‏:‏ وشرع الله لعنتهم ولعنة مَلكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏}‏‏.‏ قال قتادة‏:‏ وهذه الآية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 99‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى‏}‏ يعني‏:‏ أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 9، 10‏]‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا حدثنا عوف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخُدْري قال‏:‏ ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى‏}‏‏.‏

ورواه ابن أبي حاتم، من حديث عوف بن أبي جَميلة الأعرابي، بنحوه‏.‏ وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القَطَّان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا ‏.‏ ثم رواه عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد- رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏‏"‏ما أهلكَ الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى‏"‏، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَصَائِرَ لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ من العمى والغي، ‏{‏وهدى‏}‏ إلى الحق، ‏{‏ورحمة‏}‏ أي‏:‏ إرشادا إلى الأعمال الصالحة، ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لعل الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه‏.‏